وثيقة يينون | احداث مصر

على جمجوم

احداث مصر

وثيقة يينون

فى عدد شتاء 1981 / 1982 (فبراير / شباط 1982 ) من مجلة كيفونيم التى تصدرها الحركة الصهيونية وتطرح فيها بأقلام المتخصصين ما تواجهه من مشكلات،نشرت دراسة لم تحظ للأسف بالانتباه الذى تستحقه من كل من تعلق بهم الأمر من العرب،وكان الفضل فى توجيه الأنظار إليها ومناقشتها وإدانتها للعالم،الكاتب اليهودى ناعوم تشومسكى واسرائيل شاهاك.
وضع الدراسة أوديد يينون،الصحفى والديبلوماسى الاسرائيلى السابق، والمتخصص فى مجال البحوث المنصبة على علاقات اسرائيل بالعالم العربى، ونشرتها المجلة الفصلية لصهيونية تحت عنوان ”استراتيجية لإسرائيل فى الثمانينات“،وقالت أن هدف تلك الاستراتيجية جعل لعالم العربى ينهار ويتفكك إلى موزايكو من كيانات عرقية ودينية صغيرة.فلنقرأ معا،ونتعب العقل قليلا فنفكر.يستهل يينون دراسته بقوله ”إن اسرائيل يتعين عليها،فى مستهل الثمانينات،أن تصبح لديها رؤية جديدة لمكانها فى العالم،وأهدافها ومراميها القومية الداخلية والخارجية.وذلك مطلب يتصف بالحاحية خاصة نظرا لأن الدولة (اسرائيل)،والمنطقة (الشرق الأوسط) والعالم تمر جميعا بلعديد من التطورات الجوهرية“.0
ويؤكد ” اننا نعيش الآن بواكير حقبة جديدة من تاريخ العالم لا يوجد أدنى شبه أو أى شىء مشترك بين خصائصها وبين أى شىء قد خبرناه أو عرفناه حتى الآن ”. وينبه مواطنيه قائلا ”اننا بحاجة،نظرا لذلك،إلى أن نتفهم العمليات المركزية التى تميز هذا العصر الجديد،من جانب،وبحاجة _ من جانب آخر _ إلى نظرة واستراتيجية عامية قابلة للتنفيذ توائم هذه الأوضاع الجديدة.فوجود الدولة اليهودية،ورخاؤها وحالتها ستتوقف جميعا على قدرتها على انتهاج طريقة جديدة وإطار جديد لحياتها الداخلية والخارجية ”.0
وستطرد قائلا ” ان بوسعنا أن نتبين منذ الآن عددا من الملامح التى تميز العصر الديد وهى ملامح تنبىء عن ثورة محتومة فى حياتنا الراهنة ”.0
فما هى تلك الملامح التى تميز العصر الجديد وتبىء عن تلك الثورة المحتومة ؟ يحسن بنا سواء كنا من خلق الله أو من الحكام وأساطين النظم والمسيرين لأقدار الشعوب،أن نصغى جيدا ونمعن الفكر فيما نسمع. ” إن العملية ذات اليد العليا التى يتصف بها العصر الجديد انهيار المنظور العقلانى الإنسى الذى ظل الثيمة الرئيسية لحياة الحضارة الغربية ورخائها منذ عصر النهضة.وتبعا لانهيار ذلك المنظور،نجد أن انسقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى نجمت عنه والتى أوجدت ( فى تلك الحضارة الغربية ) عددا من ” الحقائق“ المعينة،آخذة فى الاختفاء من عالمنا اليوم.فعلى سبيل المثال،نجد أن الاعتقاد بأن الانسان كفرد هو مركز الكون وأن كل ما فى العالم موجه إلى اشباع حاجاته المادية مفهوم آخذ فى الزوال فى العصر الراهن الذى بات من الواضح فيه أن كمية الموارد المتوافرة فى الكون لا تكفى للوفاء بتوقعات الانسان وبالاحتياجات الاقتصادية والضروريات الديموغرافية ”.0
وهذا كلام حسن،إلا إذا كنا عاقدين العزم على الزوال نحن أيضا،أن نتوقف عنده ونفكر فيه.فهو كلام له وزنه،وينبغى أن يذكرنا بالقس المبجل مالتوس وبالداروينية الاجتماعية وكل تلك الأشياء الأعجمية المرذولة.ومالتوس،إن كنا لا نذكر،هو الاقتصادى والمنظر الديموغرافى توماس روبرت مالتوس ( 1766-1824).وكان مالتوس يعلم (شدة على اللام) بأن موارد العالم متناهية وأنه بالنظر إلى تناهى تلك الموارد ينبغى للعالم أن يتحلى بالواقعية فيفطن إلى أن تكاثر السكان خطر على الحضارة وعلى بقاء النوع البشرى ورفاهه،ويدرك أن رفع مستوى معيشة الأفقر والأضعف لن يجدى الأفقر والأضعف شيئا فى خاتمة المطاف ويشكل تهديدا للأثرى والأقوى.ثم جاءت الداروينية الاجتماعية التى طبقت مفاهيم صراع البقاء والبقاء للأصلح التى قال بها تشالرز دارون (1809-1882) فى نظرياته عن أصل الأنوع على التطور التاريخى للمجتمعات البشرية وركزت على مفهوم ”صراع البقاء وبقاء الأصلح“،وهو ما ألتقتطته النازية الهتلرية وجعلته سندا أخلاقيا لفلسفتها،فأعطت _ تلك الداروينية الاجتماعية والتطبيقات النازية لها _ التوجه المعاصر للمالتوسية.0
وهذ _ تحديدا هو ما يتحدث عنه الاستراتيجى الصهيونى.فهو _ ابتداء _يشير إلى انهيار المنظور العقلانى الإنسى وزوال ما انبثق عنه من قيم،كالاعتقاد فى قداسة الحياة الانسانية وقيمة الفرد الانسانى،نتيجة لما نبه إليه مالتوس منذ القرن الثامن عشر من تناهى الموارد وعدم كفايتها للوفاء بتوقعات الانسان والاحتياجات الاقتصادية والضروريات الديموغرافية (أى الضروريات اللازمة لابقاء المجموعات السكانية على قيد الحياة وتوفير الحد الضرورى من احتياجاتها).0
فالذى يقوله الاستراتيجى الصهيونى بصراحة وايجاز وبغير كبير لف ولا دوران أن العالم لم يعد فيه متسع للجميع،وأنه فى ظل انهيار المنظور العقلانى الإنسى وزوال أنسقة القيم التى انبنت عليه،من المحتم بلا مهرب العودة إلى الغابة والانغماس فى دوامة الصراع الذى لا ينقطع من أجل البقاء،وهو البقاء الذى لن يكون إلا للأقوى والأشد شراسة والأقل تورعا.وهذا _ حرفا بحرف _ هو ما استولدته النازية من الداروينية الاجتماعية.وكيما تتضح الصورة لأذهاننا _ التى تتشبث برفض التصديق _ يحسن أن نلقى بالسمع إلى ما يستطرد يينون فيقوله : ”إن التصور بأن رغبات الانسان وقدراته لا متناهية يزول ويتبدد عندما يقاس بمقياس حقائق الحياة المؤسفة التى تتضح لعيوننا ونحن نشهد اهيار نظام العالم من حولنا.وبالمثل،فإن وجهة النظر (العقلانية الإنسية) التى تنادى بالحرية والرفاه للجميع تبدو لنا ممعنة فى السخف والسفاهة هذه الأيام ”.0
وبالبراعة اليهودية التى لا تخيب،يلجأ الاستراتيجى الصهيونى إلى تلطيف وقع هذا الكلام الوحشى على من قد يسمعه من الأمميين الغربيين بأن يحشر فى السياق عددا من الكلمات المفتاحية التى تحدث الاستجابة الشرطية المنعكسة (تماما كجرس بافلوف المسيل للعاب) لدى السامع،فيقول أن الادعاء بأن للجميع سواسية الحق فى الحرية والرفاه يفصح عن سخفه وعبثيته بوجه خاص ”وهو آخذ فى الزوال جنبا إلى جنب مع مفهوم المساواة والعدل الاجتماعى الذى حولته (الاشتراكية)،(وبالأخص الشيوعية ) إلى مفهوم أجوف مفرغ من كل مغزى ”.0
ولا يكتفى بذلك الدق لجرس بافلوف مستخدما ”الاشتراكية“ و ”بالأخص الشيوعية“،فيضيف دقة جرس أخرى مسيلة للعاب هى الديموقراطية،فيضيف قائلا أن ذلك المفهوم السخيف القائل باستحقاق كل من يحمون سطح هذا الكوكب للحياة والحرية والرفاه،وقد انكشف سخفه أكثر وأكثر بانكشاف سخف الاشتراكية وبالأخص الشيوعية،ينكشف سخفه الأقصى ”لأعيننا اليوم نظرا لأن ثلاثة أرباع سكان العالم يرزحون تحت نير نظم شمولية ”.0
وبعد أن أرسى الأساس ”العقلانى / المنطقى / الأخلاقى ” للاستراتيجية التى يطرحها،وفرش الفرشة العقائدية المستمدة بكل ثبات من النازية مغلفا إياها بكل ذلك الكلام عن الاشتراكية والشيوعية والشمولية الذمومة،ينتقل إلى بيت القصيد
فيقول : ” إن العالم العربى _ الاسلامى ليس المشكلة الاستراتيجية الرئيسية التى ستواجهنا فى الثمانينيات،حتى وان ظل يشكل تهديدا لاسرائيل نتيجة لقوته العسكرية المتعاظمة.فذلك العالم العربى_الاسلامى _،بطوائفه،وأقلياته،وشيعه،وانقسماته الداخلية،وكلها مفضية إلى تدميره داخليا _ على النحو الذى نشهده اليوم فى لبنان.وفى البلد غير العربى إيران،والآن أيضا فى سوريا _ عالم ليس قادرا على حل مشكلاته الأساسية المشتركة التى تفعل فعلها فيه.وهو _ لذلك _ عالم لا يشكل تهديد خطيرا لدولة إسرائيل على المدى الطويل،ولكن بالأحرى فى المدى القصير الذى يتمتع فيه بقدرة عسكرية مباشرة يقام لها وزن.ففى المدى الطويل،لن يكون ذلك العالم قادرا على البقاء بلإطاره الحالى فى منطقتنا بغير تطورات هامة وجادة.فالعالم العربى _ الاسلامى منبن الآن كما لو كان ”برجا مؤقتا من أوراق اللعب ” شيده الأجانب ( الفرنسيون والريطانيون فى العشرينيات من هذا القرن ) دو أن يأخذوا فى الاعتبار إرادة السكان أو رغباتهم.وهو مقسم إلى 19 بلدا يتألف كل منها من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة التى تكن العداء لبعضها البعض،وهو ا يجعل البنية العرقية _ الاجتماعية لكل بلد عربى _ مسلم قابلة للأنهيار إلى حد الحرب الأهلية على النحو الذى نشهده فى بعض بلدان ذلك العالم ”.0
وبطبيعة الحال،لم يجد الاستراتيجى الصهيونى مدعاة لتذكير من يقرأ كلامه أن تدمير لبنان بالحرب الأهلية مشروع صهيونى قديم ورد ذكره على لسان بن جوريون لأول مرة سنة 1937 ،وطرحه بن جوريون على أركان حربه بعد إنشاء الدولة بأيام فى سنة 1948 ،وشرعت اسرائيل فى تنفيذه فى منتصف الخمسينيات ثم اضطرت إلى تأجيله بسبب حاجتها للتحالف م فرنسا على مصر، وعادت إليه فى السبعينيات فلم يمكنها تنفيذه فعلا إلا فى ظل إسكات الجبهة المصرية على يد السادات الذى أسكت تلك الجبهة لحساب أميركا وإسرائيل وهو يعلم،كما صرح لصحيفة الفياننشال تايمز،أن إسكاتها سيجعل ”الدم يجرى أنهارا فى لبنان ”. ( أنظر الهامش فى نهاية المقالة ).0
فالعالم العربى فيه تناقضاته ككل عالم آخر.وليس فى العالم بلد يتصف بالوئام الكامل والتجانس حتى اسرائيل ذاتها.فالبرغم من اليهودية المشتركة لكل السكان،توجد التناقضات والتوترات والصراعات بين الاشكنازيم الحمر والبيض والسفارديم السمر والسود.والولايات المتحدة،راعية المشروع الصهيونى وحاميته،تتألف من خليط من الأعراق والثقافات والديانات والقوميات والأقليات والطوائف ولم يدع أحد بأن ذلك يشكل عامل انهيارها المحتوم،ولو أنه لو كانت الولايات المتحدة على رأس قائمة فرائس الحركة الصهيونية،لا العالم العربى ومصر بالذات،لظهر استراتيجى صهيونى يخطط لانهيارها باستغلال ما فيها من تناقضات وأقليات وطوائف وقوميات.لكن الولايات المتحدة وغيرها من بلدان الأمميين موضوعة،لضرورات لا تخفى،فى ذيل قائمة الفرائس،والعالم العربى موضوع على رأس القائمة وقد ابتلى بالجهل والتخلف والتهويم تحت أعجاز اناس كبطل السلام أنور السادات،فبات فريسة سهلة ومباحة.وبات بوسع يينون وغيره أن يتخذ من جهله وتخلفه وتهويم أهله وغبائهم القبلى الذى يتخذ من الشقيق عدوا ومن العدو شقيقا ساترا لنشاط التخريب الوحشى الذى تضطظلع به اسرائيل عملا على تفتيت البلدان العربية جميعا إلى كيانات صغيرة هزيلة متناحرة كديدان مسعورة يسهل على اسرائيل أن تسحقها بقدمها واحدة وراء أخرى وهى آخذة فى نهش بعضها البعض.0
أقرأ تقرير يينون كاملا فى كتاب : قتل مصر من عبد الناصر إلى السادات من ص 315 إلى ص 320
للمؤلف شفيق مقار
الهامش

مخطط بن جوريون : فى مايو / ايار عام 1948،طرح ديفيد بن جوريون المخطط الاستراتيجى التالى على الأركان العامة لقوات الدفاع الاسرائيلية، ” إننا يجب أن نعد أنفسنا للتحول إلى الهجوم عملا على تحطيم لبنان، وشرق الأردن، وسوريا.ان الحلقة الضعيفة فى الائتلاف العربى لبنان (لأن) النظام المسلم فيه مصطنع ويسهل تقويضه.فلابد من إنشا ء دولة مارونية تكون حدودها على الضفة الأخرى من نهر الليطانى ،وسنتحالف معها.وعندما نكون قد حطمنا الفيلق العربى ،سنقصف عمان، ونزيل شرق الأردن من الوجود، واذ ذاك ستسقط سوريا.وإذا ما جرؤت مصر على مواصلة القتال ،سنقصف بور سعيد، والاسكندرية، والقاهرة ”.“وفى رسالة كتبها إلى ابنه، كتب بن جوريون يقول : ”ان غايتنا ليست دولة يهودية جزئية ،فتلك مجرد بداية..وأنا موقن من أننا لن يمنعنا أحد من إستيطان كل الأجزا ءء الأخرى من البلد (فلسطين)، إما بالاتفاق مع جيراننا العرب، وإما بوسيلة أخرى (فإذا مارفض العرب الاتفاق معنا ) سنكلمهم بلغة أخرى.غير أننا لن نكون قادرين على التكلم بتلك اللغة الأخرى إلا إذا أصبحت لنا دولة ”. ”وكان بن جوريون قد أوضح ،فى حديث صحفى، أدلى به اثر انتها ء المؤتمر الصهيونى العشرين بزيورخ فى أغسطس / آب 1937 ،أن : المناقشة فى المؤتمر لم تكن حول الاكتفا ء بدولة صغيرة كجز ء ممكن من إسرائيل الكبرى من عدمه.لأنه لا وجود لصهيونى يمكن أن يتنازل عن أى جز ء مهما صغر من إسرائيل الكبرى ،بل كانت المناقشة حول أى من السبيلين (رفض مشروع التقسيم الذى وضعته لجنة بيل أو قبوله مرحليا) هو الذى يمكن أن يؤدى بشكل أسرع إلى بلوغ ذلك الهدف (إقامة إسرائيل الكبرى )”.0 From ( Chomsky,Naom “ The Fateful Triangle_ The United States,Israel and the Palestinians”,South End Press,Boston,1983,pp.162 / 163).0 أيضا ”كان لبنان دائما.بالنسبة لاسرائيل،“أضعف حلقة فى السلسلة العربية“ المحيطة باسرائيل، كما قال ديفيد بن جوريون.ومنذ اللحظة الأولى لانشا ء الدولة الصهيونية ،إنصرف تفكير زعمائها إلى ابتكار مشروعات تمكنهم من تحطيم تلك الحلقة الضعيفة باقامة دولة مارونية تحت الوصاية الاسرائيلية فى لبنان الأوسط وضم جنوب لبنان كله من نهر الليطانى، إلى أراضى إسرائيل.وفى اجتماع لكبار المسؤولين بوزارتى الخارجية والدفاع باسرائيل فى 16 مايو / آيار 1955 ،عقد لمناقشة ذلك المخطط والنظر فى وسائل تنفيذه ،أعلن رئيس الأركان آنئذ ، موشى ديان (حسبما هو مدون فى مذكرات وزير الخارجية آنذاك، موشى شاريت ) ان تنفيذ المخطط لن يتطلب ”أكثر من العثور على ضابط لبنانى، ولو برتبة رائد ،نكسبه إلى جانبنا أو نشتريه بالمال لنجعله يوافق على أن يعلن نفسه مخلصا للسكان الموارنة.واذ ذاك سيدخل الجيش الاسرائيلى لبنان، ويحتل الأراضى التى تدعو الحاجة إلى احتلالها ويخلق نظاما مارونيا يتحالف مع إسرائيل.وفيما يخص كل الأراضى اللبنانية الممتدة من الليطانى جنوبا، ستضم تلك الأراضى إلى إسرائيل.وفى ذلك الاجتماع، فى مايو / آيار 1955 ،أوصى ديان بأن ينفذ كل ذلك على الفور،غدا“.0 Fom ( Petran,Tabitha : “ The Struggle Over Lebanon”,Monthly Review Press,N.Y.1987.PP.11 / 12).0

اقرأ ايضاً صفحات رأي متعلقة على جريدة احداث اليوم:

اضيف بتاريخ: Monday, October 26th, 2015 في 10:45

كلمات جريدة احداث: , , ,

اترك تعليقاًً على هذا الرأي