أمة الله عبدالله

احداث اليمن

أي حقبة هذه ؟!

من اليمن إلى سوريا إلى ليبيا إلى لبنان .. أين هو الشعب الإنسان
هل تدري من أكون ..
أنا الناظر طوال عمري إلى النجوم .. الحالم بالوطن البعيد
أنا النابت من مهد الهموم
أنا العربي ..عددي يفوق الألف مليون ، حشروني في بئرٍ مهجور قالوا وطني ..حفروه عميقاً ، لكنه بئر بلا شعاع محبة ، و بلا قطرة نور .. خبَروني أنه وطني ، وعلي أن أحبه ، وواجبي أن أعشق جدرانه المنزلقة التي تخنقني ، وأنظم فيه الأناشيد الجميلة.. بثرٌ فيه نُولد وننمو ونحلم ونمسي قبور ..
و .. قلةٌ منا .. قلةٌ تشبه الغيلان يمتطون البلدان ويتنفسون قصور
هل علمت من أكون ؟ أنا تاريخٌ وشرفٌ وشعبٌ عربي مظلوم .. القابع في بئري ما طال دهري أحلم بضياء الشمس نهاراً ، وليلاً أحسد النجوم ، أردد في نفسي كل يوم .. لو لم أكن إنساناً لربما نجوت من الفقر ، ومن الأسر ، ومن المهانة ، ومن الظلم ، ومن الغدر ، ومن سواها من السجون .. ربما لو كنت طائراً يطير؟ أو كنت نجماً ؟ أو سحاباً يسافر فوق الحقول ؟ أو كنت جبلاً ؟ أو حتى شجرةً طيبةً حليمة ، فمهما فعلوا بي عندها فلا أظنه يصرَ عليَ كل هذا الأسى ، ولن ترغب فيَ الشجون ..
قتلى في كل مكان بيد بعضنا ، أو بيد الأمريكان صارت البلدان كالغابات .. دماء تليها دماء وأيام الله تسير ، والبيوت مآتم .. ورؤوس الفتن تنبت من كل شبر ، والحق والحقيقة جنٌ لم يعد يستبصرهم أحد .. والكل لديه مقال
أي حقبةٍ هذه ؟!! ..
في بلادي .. آباء وأمهات تفوق أعمارهم الثمانين والتسعين عام لا تجد فيهم موضعاً يخلو من أثر الزمن ، أكوامٌ من بشر حي مهمل أمسوا بضاعة لأهلهم يشحتون بهم منذ الصباح إلى أن يفرغ الليل من ناسه .. وبعضهم يبيت في العراء ولا يخلو منه الطريق إلا أثناء العيد ..
عندما تدخل إلى سوق عدن وتجوب فيه فإنك ترى أوساخ وقمامات سمينة ومياه مجاري طازجة وروائح قبيحة اعتادها الناس عليها ، والباعة يتزاحمون وتتعالى الأصوات بالميكروفونات تردد بوار بوار بوار .. كم أمقت هذه الكلمة التي تحفر في رأسي بقوة .. وهي تعني رخيص مع أن لا شيء رخيص في هذه البلد سوى الإنسان .. لكن المشهد الأكثر قساوة عندما تشاهد مرغماً تلك المخلوقات الضعيفة الواهنة على الأرصفة منها من مُدد على الارض أوعلى كرسي إعاقة ومنها من يُسند إلى جدار مثله مثل حجر .. تمر الساعات ، والعمر لا يريد أن ينتهي ، ثم يأتي شابٌ قوي من أهله كل يوم ليقبض تلك النقود التي رُحم بها الرجل ..
لقد أحجم الكثير من الناس عن إعطاء المساكين بل نقموا عليهم بدعوى أنهم يملكون الكثير من النقود أو أنهم ينفقون بها على الأقوياء .. حتى أنهم إذا رأوك تمدَ بطعامٍ إلى هذا المهمل القابع عند أقدام الناس نظروا إليك شزراً وكأنك مختل أو سفيه وينطق أحدهم باستنكار : هذا يجمع مالا أكثر مني ومنك..
حسناً .. وما بال الطعام يا قوم ؟!
لقد أصبحنا جمهور البشر نعيش حانقين ، التهم الغلاء والتعب بقية الرحمة في قلوبنا وصار الكثير منا ينظرون لبعضهم البعض نظرة الذئاب ، حتى المجانين يتقلبون نائمين على الطرقات تتكدس الأوساخ على أجسادهم حتى تتغير ألوانهم فكأنهم خرجوا من تحت الأنقاض وانقشعت عنهم الأرض .. وحتى الأطفال يُرغمون على النوم بطريقة ما وقد رُصوا تباعاً طوال اليوم ..
.. كان رجلاً ذا جسدٍ متين لكنه عجوز جدا ، كانوا يصنعون له جرحاً غائراً في ساقه ..لقد ظلوا يشحتون به سنينا .. وفي يومٍ مررت به وكان جرحه قد ازداد اتساعاً وهو يحاول معالجة نفسه ببعض القطن والإسبرت يضعها على حفرة قدمه بينما الدماء على يديه .. كم كان مشهداً مؤلماً ، وكم الألم كثير في هذا البلد ، وفي أغلب بلاد العرب والمسلمين.. ثم مرت أيام .. رأيته بعدها وقد انكمش جسده وتكدست عليه الأوساخ وكان وجهه يستغيث أنْ أنقذوني ،ورغم أن الجرح التأم إلا أن الموت قد صار مختبئاً متربصاً بين ملامحه ، رأيته وهو يزحف على الأرض ليستند إلى الجدار وقد تضاءلت قدماه عظمتين تنعكس فيها البقع البيضاء كحروق من آثار جروحه .. لكنه مازال يتنفس هناك على الرصيف
ماذا أقول .. كم من شيء نحتاج إليه .. هل نحن بحاجة إلى من يوقف القتل والجبروت فحسب.. إلى من يرحم ؟ إلى القائد العادل القوي كزرع اشتد عوده يوقف الغرب عند حده فيتوقف القصف على مفترضين ؟ و بحاجة إلى مشروع عربي وطني ضخم ننقذ فيه الأطفال النائمة قسراً على الأرض ، والمجانين التائهين لا يسألون عن طعام أو شراب ، والعجزة الملقون على الأرصفة ، أم نحن بحاجة إلى اقتصاد قوي بدل المعونة والنقود ؟ .. نحن بحاجة إلى أكثر وأكثر من كل ذلك بكثير لا نحتاج إلى نقود إنما نحتاج إلى شعب عربي مؤمنٌ إنسان !

اقرأ ايضاً صفحات رأي متعلقة على جريدة احداث اليوم:

اضيف بتاريخ: Monday, October 22nd, 2012 في 17:39

كلمات جريدة احداث: ,

اترك تعليقاًً على هذا الرأي